ثلاثة رجال في قارب
Jerome K. Jerome
الفصل ١
ثلاثة مرضى — معاناة جورج وهاريس — ضحية مئة وسبعة أمراض قاتلة — وصفات نافعة — علاج متاعب الكبد عند الأطفال — نتفق على أننا مرهقون من كثرة العمل، وأننا بحاجة إلى الراحة — أسبوع في عرض البحر المتلاطم؟ — جورج يقترح النهر — مونتمورنسي يسجل اعتراضه — إقرار الاقتراح الأصلي بأغلبية ثلاثة أصوات مقابل صوت واحد.
كنا أربعة — جورج، وويليام صمويل هاريس، وأنا، ومونتمورنسي. وكنا نجلس في غرفتي، ندخن ونتحدث عن سوء حالنا — من الناحية الطبية طبعا.
كنا جميعا نشعر بالتوعك، وقد أخذ القلق يشتد بنا. وقال هاريس إن نوبات عجيبة من الدوار تنتابه أحيانا، حتى إنه لا يكاد يعرف ما يفعل؛ ثم قال جورج إنه هو أيضا يعاني نوبات من الدوار، وإنه هو لا يكاد يعرف ما يفعل. أما أنا، فكانت العلة في كبدي. وكنت أعلم أن العلة في كبدي لأنني كنت قد قرأت لتوي نشرة دعائية لحبوب الكبد المسجلة، تسرد بالتفصيل شتى الأعراض التي يستطيع المرء أن يعرف منها أن كبده مضطربة. وكانت لدي جميعها.
والعجيب أنني لا أقرأ إعلانا عن دواء مسجل إلا وأجدني مضطرا إلى الاستنتاج بأنني مصاب بالمرض الذي يتناوله، في أشد صوره ضراوة. ففي كل مرة يبدو التشخيص مطابقا تماما لكل ما أحسست به في حياتي.
أذكر أنني ذهبت يوما إلى المتحف البريطاني لأقرأ عن علاج وعكة خفيفة ألمت بي — أظنها كانت حمى القش. فتناولت الكتاب وقرأت كل ما جئت لأقرأه؛ ثم أخذت، في لحظة غفلة، أقلب أوراقه بلا غرض، وأطالع بكسل ما فيه من أمراض على العموم. لا أذكر أول علة خضت فيها — كل ما أذكره أنها كانت آفة رهيبة فتاكة — ولم أكن قد بلغت منتصف قائمة «الأعراض المنذرة» حتى استقر في نفسي أنني مصاب بها حقا.
جلست برهة وقد جمدني الرعب؛ ثم عدت أقلب الصفحات بفتور اليائس. بلغت حمى التيفوئيد — قرأت الأعراض — اكتشفت أنني مصاب بحمى التيفوئيد، وأنني لا بد أعانيها منذ أشهر دون أن أدري — وتساءلت عما عداها من أمراض أصابتني؛ فبحثت عن رقص القديس فيتوس — ووجدت، كما توقعت، أنني مصاب به أيضا — وبدأت أهتم بحالتي، وعزمت على تمحيصها حتى النهاية، فشرعت أقرأ حسب ترتيب الحروف — قرأت عن الحمى المتقطعة، فعلمت أن بوادرها قد بدأت تظهر علي، وأن طورها الحاد سيبدأ بعد نحو أسبوعين. وأراحني أن أجد أن داء برايت لم يصبني إلا في صورة مخففة، وأنني، من جهته وحده، قد أعيش سنوات. وكانت لدي الكوليرا بمضاعفات شديدة؛ أما الخناق، فبدا أنني ولدت به. ومضيت بأمانة عبر الحروف الستة والعشرين، فلم أجد إلا مرضا واحدا أمكنني أن أستنتج أنني غير مصاب به، هو داء ركبة الخادمة.
ساءني ذلك بعض الشيء في أول الأمر؛ فقد بدا لي نوعا من الاستخفاف بي. لماذا لم أصب بداء ركبة الخادمة؟ لم هذا الاستثناء المجحف؟ لكن مشاعر أقل جشعا غلبت علي بعد حين. وفكرت أن لدي كل داء آخر معروف في علم الأدوية، فخف استئثاري، وعزمت على الاستغناء عن داء ركبة الخادمة. وكان النقرس، فيما يبدو، قد استولى علي في أخبث مراحله دون أن أشعر؛ وكان واضحا أنني أعاني داء التخمر منذ الصبا. ولم تكن ثمة أمراض بعد داء التخمر، فاستنتجت أنني لا أشكو شيئا آخر.
جلست أتأمل. وفكرت كم لا بد أن تكون حالتي مثيرة للاهتمام من الوجهة الطبية، وأي مكسب سأكون لصف من الطلاب! لن يحتاج الطلاب إلى «الطواف بالمستشفيات» إذا حصلوا علي. فقد كنت مستشفى قائما بذاته. وكل ما عليهم أن يفعلوه هو أن يطوفوا حولي، ثم يتسلموا شهاداتهم.
ثم تساءلت كم بقي لي من العمر. وحاولت أن أفحص نفسي. تحسست نبضي، فلم أجد في أول الأمر نبضا على الإطلاق. ثم بدا فجأة أنه انطلق. فأخرجت ساعتي وحسبته، فوجدته مئة وسبعا وأربعين نبضة في الدقيقة. وحاولت أن أتحسس قلبي. لم أستطع أن أجد قلبي. لقد توقف عن النبض. وقد وجدتني فيما بعد أميل إلى الاعتقاد بأنه لا بد كان في مكانه طوال الوقت، وأنه كان ينبض، لكنني لا أجد لذلك تفسيرا. أخذت أربت على جسمي كله من الأمام، من الموضع الذي أسميه خصري صعودا إلى رأسي، وامتدت يدي قليلا إلى كل من جانبي، وإلى جزء من ظهري. لكنني لم أستطع أن أحس أو أسمع شيئا. وحاولت أن أنظر إلى لساني. أخرجته إلى أقصى ما استطعت، وأغمضت عينا، وحاولت أن أفحصه بالأخرى. ولم أستطع أن أرى إلا طرفه، ولم أستفد من ذلك إلا أن ازددت يقينا بأنني مصاب بالحمى القرمزية.
دخلت قاعة المطالعة تلك رجلا سعيدا صحيح البدن. وزحفت خارجا منها حطاما متهالكا.
ذهبت إلى طبيبي. وهو صديق قديم لي، يجس نبضي وينظر إلى لساني ويتحدث عن الطقس، كل ذلك مجانا، كلما توهمت أنني مريض؛ فرأيت أنني سأسدي إليه معروفا إن ذهبت إليه الآن. وقلت: «ما يحتاج إليه الطبيب هو الممارسة. سأضع نفسي بين يديه. وسيجد في حالتي من فرص الممارسة أكثر مما يجد لدى ألف وسبعمئة من أولئك المرضى العاديين المألوفين، الذين لا يعاني الواحد منهم إلا مرضا أو مرضين». فذهبت إليه مباشرة وقابلته، فقال:
«حسنا، ما بك؟»
قلت:
«لن أشغل وقتك يا عزيزي بسرد ما أعانيه. فالعمر قصير، وقد ينقضي عمرك قبل أن أنتهي. لكنني سأخبرك بما لا أعانيه. لست مصابا بداء ركبة الخادمة. ولا أستطيع أن أقول لك لماذا لم أصب بداء ركبة الخادمة؛ لكن الحقيقة تظل أنني غير مصاب به. أما سائر الأمراض، فأنا مصاب بها».
وأخبرته كيف توصلت إلى اكتشاف ذلك كله.
ثم فتحني وأطل في جوفي، وقبض على رسغي، ثم ضربني على صدري على حين غفلة — وهو تصرف أعده جبانا — وعقب ذلك مباشرة نطحني بجانب رأسه. وبعدها جلس وكتب وصفة، وطواها وناولني إياها، فوضعتها في جيبي وخرجت.
لم أفتحها. حملتها إلى أقرب صيدلية وسلمتها إلى الصيدلي. فقرأها الرجل، ثم أعادها إلي.
وقال إن المطلوب غير موجود عنده.
قلت:
«أنت صيدلي؟»
قال:
«أنا صيدلي. ولو كنت متجرا تعاونيا وفندقا عائليا في آن واحد، لربما استطعت تلبية طلبك. لكن كوني مجرد صيدلي يقيدني».
قرأت الوصفة. وكان نصها:
«رطل واحد من شرائح لحم البقر، مع باينت واحد من البيرة المرة»
«كل ست ساعات».
«مشية واحدة لمسافة عشرة أميال كل صباح».
«فراش واحد في تمام الحادية عشرة كل ليلة».
«ولا تحشو رأسك بأشياء لا تفهمها».
اتبعت التعليمات، وكانت النتيجة السعيدة — وأنا أتكلم عن نفسي — أنني نجوت بحياتي، وما زلت حيا إلى الآن.
أما في هذه المرة، وبالعودة إلى نشرة حبوب الكبد، فقد كانت الأعراض لدي بما لا يدع مجالا للشك، وأبرزها «عزوف عام عن العمل أيا كان نوعه».
تعجز الألسنة عن وصف ما أقاسيه من ذلك. فمنذ نعومة أظفاري وأنا أعاني منه الأمرين. وفي صباي لم يكن المرض يفارقني يوما واحدا إلا نادرا. ولم يكونوا يعرفون آنذاك أن كبدي هي السبب. كان علم الطب أقل تقدما بكثير مما هو عليه الآن، وكانوا يعزون الأمر إلى الكسل.
«هيا، أيها الشيطان الصغير المتملص»، كانوا يقولون، «انهض واعمل شيئا تكسب به قوتك، ألا تستطيع؟» — وهم لا يعلمون، بالطبع، أنني مريض.
ولم يكونوا يعطونني حبوبا؛ بل كانوا يضربونني على جانب الرأس. والغريب أن تلك الضربات على الرأس كانت تشفيني كثيرا — إلى حين. وقد خبرت من أثر ضربة واحدة على الرأس في كبدي، ومما تبعثه في من رغبة في الانطلاق من فوري لأداء المطلوب دون مزيد من إضاعة الوقت، ما يفوق مفعول علبة حبوب كاملة اليوم.
فأنت تعلم أن هذا يحدث كثيرا — فتلك العلاجات البسيطة القديمة قد تكون أحيانا أنجع من جميع عقاقير المستوصف.
جلسنا هناك نصف ساعة، يصف كل منا للآخرين علله. وشرحت لجورج وويليام هاريس ما أشعر به حين أنهض صباحا، وأخبرنا ويليام هاريس بما يشعر به حين يأوي إلى الفراش؛ أما جورج فوقف على البساط أمام المدفأة، وقدم لنا أداء تمثيليا بارعا مؤثرا، يجسد ما يشعر به في الليل.
جورج يتوهم أنه مريض؛ لكن الحقيقة أنه لا يشكو شيئا أبدا، كما تعلم.
عند ذلك طرقت السيدة بوبيتس الباب لتسأل إن كنا مستعدين للعشاء. فابتسمنا بعضنا لبعض في أسى، وقلنا إننا نظن أن من الأفضل أن نحاول ابتلاع شيء قليل. وقال هاريس إن قليلا من الطعام في المعدة كثيرا ما يكبح المرض؛ وأدخلت السيدة بوبيتس الصينية، فدنونا من المائدة، وأخذنا نعبث بقليل من شرائح اللحم والبصل وشيء من فطيرة الراوند.
لا بد أنني كنت ضعيفا جدا وقتئذ؛ فأنا أعلم أنني بعد نحو نصف ساعة من بدء الأكل، بدا أنني لم أعد أهتم بالطعام إطلاقا — وهو أمر غير معهود عندي — ولم أرغب في شيء من الجبن.
وبعد أداء هذا الواجب، ملأنا كؤوسنا من جديد، وأشعلنا غلاييننا، واستأنفنا مناقشة حالتنا الصحية. لم يكن أي منا واثقا مما نعانيه على وجه التحديد؛ لكننا أجمعنا على أن علتنا — أيا كانت — ناجمة عن الإفراط في العمل.
قال هاريس: «ما نحتاج إليه هو الراحة».
وقال جورج: «الراحة وتغيير تام. لقد أحدث الإفراط في إجهاد أدمغتنا خمودا عاما في سائر الجسم. وتغيير المناظر، وانتفاء ضرورة التفكير، سيعيدان التوازن العقلي».
لجورج قريب من أبناء العمومة أو الخؤولة، تصفه صحيفة الاتهام عادة بأنه طالب طب؛ ولهذا فمن الطبيعي أن تكون في طريقة جورج في عرض الأمور مسحة من أسلوب طبيب الأسرة.
وافقت جورج، واقترحت أن نبحث عن مكان منعزل يحتفظ بملامح الزمن القديم، بعيدا عن صخب الجموع، ونقضي أسبوعا مشمسا مستغرقين في الأحلام بين دروبه الناعسة — ركن شبه منسي، خبأته الجنيات بعيدا عن متناول العالم الصاخب — وكر جاثم في موضع عجيب على جروف الزمن، يبلغنا منه صوت أمواج القرن التاسع عشر المتلاطمة خافتا آتيا من بعيد.
قال هاريس إنه يظن أن ذلك سيكون كئيبا. وقال إنه يعرف نوع المكان الذي أقصده؛ حيث يأوي الجميع إلى الفراش في الثامنة، ولا تستطيع أن تحصل على عدد من صحيفة «ريفري» مهما حاولت، وتضطر إلى المشي عشرة أميال لتشتري تبغك.
وقال هاريس: «لا، إن كنت تريد الراحة والتغيير، فلا شيء يعدل رحلة بحرية».
اعترضت بشدة على الرحلة البحرية. فالرحلة البحرية تنفعك إن كنت ستقضي فيها شهرين، أما لأسبوع واحد فهي بلاء.
تنطلق يوم الاثنين وقد استقرت في نفسك فكرة أنك ستستمتع بوقتك. تلوح للأصحاب على الشاطئ مودعا في مرح، وتشعل أكبر غلايينك، وتختال على السطح كأنك الكابتن كوك والسير فرانسيس دريك وكريستوفر كولومبوس مجتمعين في شخص واحد. ويوم الثلاثاء تتمنى لو لم تأت. وفي الأربعاء والخميس والجمعة تتمنى لو كنت ميتا. ويوم السبت تستطيع أن تبتلع قليلا من مرق لحم البقر، وأن تجلس منتصبا على السطح، وأن تجيب بابتسامة شاحبة رقيقة حين يسألك أصحاب القلوب الطيبة كيف تشعر الآن. ويوم الأحد تبدأ المشي من جديد، وتتناول الطعام الصلب. وفي صباح الاثنين، وأنت واقف عند حافة القارب العليا، تحمل حقيبتك ومظلتك وتنتظر النزول إلى البر، تبدأ تستمتع بالرحلة كل الاستمتاع.
أذكر أن صهري خرج مرة في رحلة بحرية قصيرة طلبا للعافية. فحجز مرقدا على السفينة ذهابا وإيابا من لندن إلى ليفربول؛ وحين وصل إلى ليفربول، لم يعد يشغله إلا بيع تذكرة العودة.
عرضت التذكرة في أنحاء المدينة بثمن مخفض تخفيضا هائلا، كما بلغني؛ وبيعت في النهاية بثمانية عشر بنسا لشاب تبدو عليه الصفرة، كان أطباؤه قد نصحوه لتوهم بالذهاب إلى شاطئ البحر وممارسة الرياضة.
«شاطئ البحر!» قال صهري وهو يدس التذكرة في يده بحنان، «ستنال منه ما يكفيك عمرا بأكمله؛ وأما الرياضة! فستنال من الرياضة وأنت جالس على تلك السفينة أكثر مما تنال لو أخذت تتشقلب على اليابسة».
أما هو نفسه — أعني صهري — فعاد بالقطار. وقال إن سكة حديد الشمال الغربي فيها من الفائدة الصحية ما يكفيه.
وخرج رجل آخر أعرفه في رحلة لمدة أسبوع حول الساحل، وقبل الإبحار جاءه مضيف السفينة يسأله إن كان سيدفع ثمن كل وجبة حين يتناولها، أم يتفق مقدما على الوجبات كلها.
ونصحه المضيف بالخيار الثاني، إذ سيكون أوفر بكثير. وقال إنهم سيقدمون له وجبات الأسبوع كله بجنيهين وخمسة شلنات. وقال إن الإفطار سيكون سمكا يعقبه صنف مشوي. والغداء في الواحدة، ويتألف من أربعة أطباق متتابعة. والعشاء في السادسة — حساء، وسمك، ومقبلات، وقطعة لحم مشوي، ودواجن، وسلطة، وحلوى، وجبن، وفاكهة. ثم وجبة خفيفة من اللحم في العاشرة.
رأى صاحبي أن يقبل عرض الجنيهين والخمسة شلنات (وهو صاحب شهية طيبة)، فقبله.
حان الغداء وهم قبالة شيرنس. ولم يشعر بالجوع الذي كان يتوقعه، فاكتفى بشيء من لحم البقر المسلوق، وقليل من الفراولة والقشدة. واستغرق في التفكير طويلا بعد الظهر، فتارة كان يخيل إليه أنه لم يأكل طوال أسابيع إلا لحم البقر المسلوق، وتارة يخيل إليه أنه لا بد يعيش منذ أعوام على الفراولة والقشدة.
أما لحم البقر والفراولة والقشدة، فلم تبد عليها هي الأخرى أمارات السعادة — كأنها متبرمة.
وفي السادسة جاءوا يخبرونه أن العشاء جاهز. لم يثر الخبر في نفسه أي حماسة، لكنه أحس بأن عليه أن يأكل ما يعوض به شيئا من الجنيهين والخمسة شلنات، فتشبث بالحبال وما شابهها ونزل. واستقبلته عند أسفل السلم رائحة شهية من البصل ولحم الخنزير المقدد الساخن، ممزوجة برائحة السمك المقلي والخضار الورقية؛ ثم أقبل المضيف بابتسامة دهنية، وقال:
«ماذا أحضر لك يا سيدي؟»
وجاء الرد واهنا: «أخرجني من هنا».
فأسرعوا بإصعاده، وأسندوه في الجانب المحمي من الريح، وتركوه.
وعاش الأيام الأربعة التالية حياة بسيطة لا تشوبها شائبة، على بسكويت القبطان الرقيق (أعني أن البسكويت هو الرقيق، لا القبطان) ومياه الصودا؛ لكن ما إن قارب السبت حتى أخذه التعجرف، فأقدم على شاي خفيف وخبز محمص جاف، وفي يوم الاثنين صار يتخم نفسه بمرق الدجاج. وغادر السفينة يوم الثلاثاء، وحين أخذت تبتعد عن رصيف المرسى بمحركها البخاري، ظل ينظر في أثرها متحسرا.
قال: «ها هي تذهب، ها هي تذهب، وعلى متنها طعام لي بقيمة جنيهين لم آكله».
وقال إنه يظن أنهم لو أمهلوه يوما آخر لاستطاع أن يستوفي حقه.
وهكذا وقفت ضد الرحلة البحرية. لا من أجلي أنا، كما شرحت. فأنا لم أصب بدوار البحر قط. لكنني كنت أخشى على جورج. وقال جورج إنه سيكون بخير، وإنه سيستمتع بها على الأرجح، لكنه ينصح هاريس وإياي بألا نفكر فيها، إذ إنه واثق بأننا سنمرض كلانا. أما هاريس فقال إن قدرة الناس على الإصابة بدوار البحر كانت دائما لغزا عنده — وقال إنه يظن أنهم لا بد يفعلون ذلك عن عمد، تصنعا — وقال إنه تمنى ذلك كثيرا، لكنه لم يستطع إليه سبيلا.
ثم أخذ يروي لنا كيف عبر بحر المانش حين كان شديد الاضطراب حتى اضطروا إلى ربط الركاب في مراقدهم، ولم يكن على متن السفينة من الأحياء من لم يمرض غيره هو والقبطان. وأحيانا كان هو والضابط الثاني هما اللذين لم يمرضا؛ لكنه كان في الغالب هو ورجل آخر. فإن لم يكن هو ورجل آخر، كان هو وحده.
ومن الحقائق العجيبة أن أحدا لا يصاب بدوار البحر أبدا — على البر. ففي البحر تصادف أناسا كثيرين اشتد بهم المرض حقا، أعدادا تملأ سفنا كاملة؛ لكنني لم أقابل على البر حتى الآن رجلا عرف قط معنى دوار البحر. أما أين تختبئ على البر تلك الآلاف المؤلفة ممن لا يحتملون ركوب البحر، والذين تعج بهم كل سفينة، فذلك لغز.
ولو كان أكثر الرجال مثل رجل رأيته يوما على سفينة يارموث، لاستطعت تفسير هذا اللغز الظاهر بسهولة. وأذكر أننا كنا قبالة رصيف ساوثيند مباشرة، وكان الرجل متدليا بجسمه خارج إحدى كوى السفينة، في وضع بالغ الخطورة. فتقدمت نحوه محاولا إنقاذه.
قلت وأنا أهزه من كتفه: «هيه! عد إلى الداخل قليلا. ستسقط في البحر».
«يا إلهي! ليتني سقطت»، ولم أظفر منه إلا بهذا الجواب؛ واضطررت إلى تركه هناك.
وبعد ثلاثة أسابيع قابلته في قاعة الطعام بفندق في باث، يتحدث عن رحلاته البحرية ويشرح في حماسة كم يحب البحر.
«أتحمل البحر جيدا!» أجاب عن سؤال طرحه شاب وديع بلهجة حاسدة، «حسنا، أعترف أنني شعرت بشيء من الغثيان مرة واحدة. كان ذلك قبالة رأس هورن. وتحطمت السفينة في صباح اليوم التالي».
قلت:
«ألم تكن متوعكا قليلا عند رصيف ساوثيند ذات يوم، وتود أن يلقوا بك في البحر؟»
أجاب وعلى وجهه حيرة: «رصيف ساوثيند!»
«نعم؛ ونحن في طريقنا إلى يارموث، يوم الجمعة قبل ثلاثة أسابيع».
«آه، أجل — نعم»، أجاب وقد أشرق وجهه، «تذكرت الآن. لقد أصابني صداع عصر ذلك اليوم. كانت المخللات هي السبب، كما تعلم. لم أذق قط مخللات أشنع منها على متن سفينة محترمة. هل أكلت أنت منها؟»
أما أنا فقد اكتشفت وسيلة ممتازة للوقاية من دوار البحر، وهي أن أحفظ توازني. تقف في وسط السطح، وتحرك جسمك مع ارتفاع السفينة وتأرجحها، بحيث تبقيه مستقيما دائما. وحين ترتفع مقدمة السفينة، تميل إلى الأمام حتى يكاد السطح يلامس أنفك؛ وحين يرتفع طرفها الخلفي، تميل إلى الوراء. وهذا كله حسن لساعة أو ساعتين؛ لكنك لا تستطيع أن تحفظ توازنك طوال أسبوع.
قال جورج:
«فلنصعد النهر».
وقال إننا سنجد الهواء النقي والرياضة والهدوء؛ وإن تبدل المناظر باستمرار سيشغل عقولنا (بما في ذلك ما يملكه هاريس من عقل)؛ وإن العمل الشاق سيفتح شهيتنا ويجعلنا ننام جيدا.
وقال هاريس إنه لا يرى أن من الصواب أن يفعل جورج شيئا من شأنه أن يزيد نعاسه فوق ما هو عليه دائما، فقد يكون في ذلك خطر. وقال إنه لا يفهم تماما كيف سيتسنى لجورج أن ينام أكثر مما ينام الآن، واليوم لا يزيد على أربع وعشرين ساعة، صيفا وشتاء؛ لكنه رأى أنه لو نام أكثر من ذلك فعلا، لكان الأولى به أن يموت، فيوفر نفقات طعامه ومبيته.
وقال هاريس، مع ذلك، إن النهر سيلائمه حتى حرف «تي». ولا أعرف ما «تي» هذه (إلا تلك التي بستة بنسات، وتشمل خبزا بالزبدة وكعكا بقدر ما تشاء، وهي رخيصة بهذا الثمن إن لم تكن قد تناولت غداءك). ويبدو، مع ذلك، أنها تلائم الجميع، وهذا يحسب لها كثيرا.
وقد لاءمني النهر حتى حرف «تي» أنا أيضا، وقلت أنا وهاريس إن فكرة جورج جيدة؛ وقلنا ذلك بنبرة بدا أنها توحي، على نحو ما، بأننا مندهشان لأن جورج أتى بمثل هذا الرأي السديد.
أما الوحيد الذي لم يرق له الاقتراح فكان مونتمورنسي. فلم يكن النهر يعجب مونتمورنسي قط.
«طبعا، هذا يناسبكم أنتم يا رفاق»، يقول، «تحبونه، أما أنا فلا. ليس لي فيه ما أفعله. لا تهمني المناظر، ولا أدخن. وإذا رأيت جرذا، لم تتوقفوا؛ وإذا نمت، أخذتم تعبثون بالقارب فتسقطونني في الماء. وإن سألتموني، فالأمر كله في رأيي حماقة لعينة».
لكننا كنا ثلاثة في مقابل واحد، فأقر الاقتراح.




