نداء البرية
Jack London
الفصل ١: إلى الحياة البدائية
لم يكن باك يقرأ الصحف، وإلا لعرف أن المتاعب تلوح في الأفق، لا له وحده، بل لكل كلب يعيش على الساحل، قوي العضلات، طويل الشعر، دافئ الفراء، من خليج بوجيه إلى سان دييغو. فلأن رجالا يتلمسون طريقهم في ظلام القطب الشمالي عثروا على معدن أصفر، ولأن شركات البواخر والنقل أخذت تروج لذلك الاكتشاف، اندفع آلاف الرجال إلى بلاد الشمال. وكان هؤلاء الرجال يريدون كلابا، وكانت الكلاب التي يريدونها ثقيلة الأجسام، ذات عضلات قوية تعينها على الكد، وفراء يحميها من الصقيع.
كان باك يعيش في بيت كبير في وادي سانتا كلارا الذي تغمره الشمس. وكان المكان يعرف بضيعة القاضي ميلر. قام البيت بعيدا عن الطريق، نصف محجوب بالأشجار، تلوح من بينها الشرفة الفسيحة الباردة التي تحيط بجوانبه الأربعة. وكانت تؤدي إليه ممرات للعربات فرشت بالحصى، تتلوى بين المسطحات العشبية المترامية وتحت أغصان الحور الباسق المتشابكة. وكان كل شيء خلف البيت أرحب مما أمامه. فهناك إسطبلات ضخمة يعمرها اثنا عشر سائسا وفتى، وصفوف من أكواخ الخدم تكسوها الكروم، وصفوف منتظمة لا نهاية لها من المباني الملحقة، وعرائش عنب طويلة، ومراع خضراء، وبساتين، ورقع توت. ثم محطة ضخ ماء البئر الارتوازية، والحوض الإسمنتي الكبير الذي كان أبناء القاضي ميلر يغطسون فيه صباحا ويلتمسون البرودة في مائه حين يشتد الحر بعد الظهر.
وكان باك هو السيد على هذه الضيعة العظيمة. هنا ولد، وهنا عاش سنوات عمره الأربع. صحيح أن كلابا أخرى كانت هناك. فما كان لمكان بهذا الاتساع أن يخلو من كلاب أخرى، لكنها لم تكن ذات شأن. كانت تجيء وتذهب، وتقيم في حظائر الكلاب المكتظة، أو تعيش مغمورة في زوايا البيت، على غرار توتس، كلب البج الياباني، أو إيزابيل، الكلب المكسيكي الأجرد — مخلوقات عجيبة نادرا ما تطل بأنوفها خارج الأبواب أو تطأ الأرض بأقدامها. ومن جهة أخرى، كانت هناك كلاب الفوكس ترير، عشرون كلبا على الأقل، تنبح متوعدة توتس وإيزابيل بأهوال، وهما يطلان عليها من النوافذ، في حماية جيش من الخادمات المسلحات بالمكانس والمماسح.
أما باك فلم يكن كلب بيوت ولا كلب حظائر. كانت المملكة بأسرها ملكه. كان يقفز إلى حوض السباحة أو يخرج للصيد مع أبناء القاضي؛ ويرافق مولي وأليس، ابنتي القاضي، في نزهات طويلة عند الغسق أو في الصباح الباكر؛ وفي ليالي الشتاء يرقد عند قدمي القاضي أمام نار المدفأة الهادرة في المكتبة؛ ويحمل أحفاد القاضي على ظهره، أو يدحرجهم على العشب، ويحرس خطاهم في مغامراتهم الجامحة إلى النافورة في ساحة الإسطبل، بل إلى ما وراءها، حيث حظائر الخيل ورقع التوت. وكان يخطر بين كلاب الترير في زهو السيد، ويتجاهل توتس وإيزابيل تجاهلا تاما، لأنه كان ملكا — ملكا على كل ما يدب ويزحف ويطير في ضيعة القاضي ميلر، والبشر من جملتها.
كان أبوه إلمو، وهو كلب سانت برنارد هائل، رفيق القاضي الذي لا يفارقه، وكان باك يبشر بالسير على خطى أبيه. لم يكن يضاهيه ضخامة — إذ لم يزن سوى مئة وأربعين رطلا — لأن أمه شيب كانت من كلاب الراعي الإسكتلندي. ومع ذلك، فإن مئة وأربعين رطلا، تضاف إليها مهابة العيش الرغيد واحترام الجميع، مكنته من التصرف بأبهة الملوك حقا. وقد عاش في السنوات الأربع منذ كان جروا حياة أرستقراطي مترف شبعان؛ كان يفخر بنفسه فخرا يليق به، بل كان أنانيا بعض الشيء، كما يصبح سادة الريف أحيانا بحكم عزلتهم. لكنه أنقذ نفسه بألا يصبح مجرد كلب بيت مدلل. فالصيد وما شابهه من متع الخلاء حال دون تراكم الشحم وقوى عضلاته؛ وكان حبه للماء، كما هي الحال لدى الشعوب التي تألف الاستحمام بالماء البارد، مقويا له وحافظا لصحته.
هكذا كان باك في خريف عام ألف وثمانمئة وسبعة وتسعين، حين اجتذب اكتشاف الذهب في كلوندايك رجالا من أنحاء العالم كلها إلى بلاد الشمال المتجمدة. لكن باك لم يكن يقرأ الصحف، ولم يكن يعرف أن مانويل، أحد مساعدي البستاني، ممن لا تحمد صحبتهم. كانت لمانويل خطيئة واحدة تستبد به. كان يحب لعب اليانصيب الصيني. وكانت له في المقامرة أيضا نقطة ضعف واحدة تستبد به — إيمانه بنظام يتبعه في اللعب؛ وهذا ما جعل خرابه محتوما. فاللعب وفق نظام يتطلب مالا، في حين أن أجرة مساعد بستاني لا تزيد على ما يسد حاجات زوجة وأبناء كثيرين.
كان القاضي في اجتماع لجمعية منتجي الزبيب، وكان الفتيان مشغولين بتأسيس ناد رياضي، في تلك الليلة التي لا تنسى، ليلة خيانة مانويل. ولم ير أحد مانويل وباك يمضيان عبر البستان في ما حسبه باك مجرد نزهة. ولم يرهما أحد، سوى رجل واحد، يصلان إلى المحطة الصغيرة التي يتوقف عندها القطار بالإشارة، والمعروفة باسم كوليدج بارك. تحدث ذلك الرجل إلى مانويل، ورنت النقود بينهما.
«يجدر بك أن تلف البضاعة قبل أن تسلمها»، قال الغريب بغلظة، فلف مانويل قطعة من حبل متين لفتين حول عنق باك، تحت الطوق.
«الوه، وستخنقه جيدا»، قال مانويل، فأجاب الغريب بنخرة موافقة من فوره.
كان باك قد تقبل الحبل بوقار هادئ. صحيح أن ذلك لم يكن تصرفا مألوفا، لكنه تعلم أن يثق بالرجال الذين يعرفهم، وأن يسلم لهم بحكمة تفوق حكمته. غير أنه حين وضعت نهايتا الحبل في يدي الغريب، زمجر متوعدا. لم يكن قد فعل أكثر من إبداء استيائه، إذ كان يظن، من فرط كبريائه، أنه يكفي أن يلمح حتى يطاع. لكنه فوجئ بالحبل يضيق حول عنقه فيحبس أنفاسه. وفي ثورة غضب خاطفة وثب على الرجل، فلاقاه في منتصف وثبته، وأمسك به من الحلق بإحكام، ثم قلبه على ظهره بحركة بارعة. ثم اشتد الحبل بلا رحمة، وباك يتخبط في غضب، ولسانه يتدلى من فمه، وصدره العريض يلهث عبثا. لم يلق في حياته قط معاملة على هذا القدر من الخسة، ولم يغضب في حياته قط إلى هذا الحد. لكن قوته أخذت تنضب، وغامت عيناه، ولم يدر بشيء حين أوقف القطار بالإشارة وألقاه الرجلان في عربة الأمتعة.
وحين أفاق، أحس في غبش وعيه بألم في لسانه، وبأنه يهتز في وسيلة نقل ما. ودلته صفارة قاطرة مبحوحة تصرخ عند معبر على مكانه. فقد سافر مع القاضي كثيرا، فلم يخف عليه إحساس الركوب في عربة أمتعة. فتح عينيه، فاشتعل فيهما غضب جامح، غضب ملك مختطف. وثب الرجل نحو حلقه، لكن باك كان أسرع منه. أطبق فكيه على اليد، ولم يرخهما حتى أفقده الخنق وعيه من جديد.
«نعم، تصيبه نوبات»، قال الرجل، وهو يخفي يده الممزقة عن عامل الأمتعة الذي جذبته أصوات العراك. «آخذه إلى فريسكو لحساب رئيسي. هناك طبيب بارع في علاج الكلاب يظن أنه يستطيع شفاءه».
كان الرجل بليغا أشد البلاغة في الشكوى من رحلة تلك الليلة، في سقيفة صغيرة خلف حانة على الواجهة البحرية لسان فرانسيسكو.
«كل ما آخذه مقابل هذا خمسون»، تذمر، «ولن أكررها ولو بألف نقدا».
كانت يده ملفوفة بمنديل ملطخ بالدم، وكانت ساق سرواله اليمنى ممزقة من الركبة إلى الكاحل.
«وكم أخذ ذاك الوغد الآخر؟» سأل صاحب الحانة.
«مئة»، جاءه الجواب. «أبى أن يأخذ أقل ولو بسو واحد، والله».
«إذن فالمجموع مئة وخمسون»، حسب صاحب الحانة، «وهو يساويها، وإلا فأنا مغفل».
فك الخاطف اللفائف المضرجة بالدم ونظر إلى يده الممزقة. «إن لم يصبني داء الكلب —»
«فذلك لأنك ولدت للمشنقة»، قال صاحب الحانة ضاحكا. وأضاف: «هيا، مد لي يد العون قبل أن ترحل».
حاول باك، مذهولا، يكابد ألما لا يحتمل في حلقه ولسانه وقد كاد الخنق يزهق روحه، أن يتصدى لمعذبيه. لكنهم طرحوه أرضا وخنقوه مرة بعد أخرى، حتى تمكنوا من قطع الطوق الثقيل المصنوع من النحاس الأصفر بالمبرد ونزعه عن عنقه. ثم أزيل الحبل وألقي به في صندوق يشبه القفص.
ظل راقدا هناك بقية تلك الليلة المضنية، يجتر غضبه وجرح كبريائه. لم يفهم ما معنى هذا كله. ماذا يريد منه هؤلاء الرجال الغرباء؟ ولماذا يحبسونه في هذا الصندوق الضيق؟ لم يعرف السبب، لكن إحساسا مبهما بكارثة وشيكة كان يثقل عليه. مرات عدة خلال الليل وثب واقفا حين قرقع باب السقيفة وانفتح، متوقعا أن يرى القاضي، أو الفتيان على الأقل. لكن الذي كان يطل عليه في كل مرة، في ضوء شمعة من الشحم باهت، هو وجه صاحب الحانة المنتفخ. وفي كل مرة، كانت النبحة الفرحة التي ترتجف في حلق باك تنقلب زمجرة شرسة.
لكن صاحب الحانة تركه وشأنه، وفي الصباح دخل أربعة رجال ورفعوا الصندوق. معذبون آخرون، هكذا حكم باك، فقد كانوا مخلوقات شريرة المظهر، رثة الثياب شعثاء؛ فثار وهاج عليهم من وراء القضبان. ولم يفعلوا إلا أن ضحكوا ووخزوه بالعصي، فانقض عليها بأسنانه على الفور، إلى أن أدرك أن ذلك هو ما يريدون. عندئذ رقد عابسا وتركهم يرفعون الصندوق إلى عربة. ثم أخذ يتنقل بين أيد كثيرة، هو والصندوق الذي سجن فيه. تسلمه موظفو مكتب الشحن السريع؛ ونقل من مكان إلى آخر في عربة أخرى؛ وحملته عربة يد مع تشكيلة من الصناديق والطرود إلى عبارة بخارية؛ ثم نقل بعربة يد من العبارة إلى محطة قطارات كبيرة، وأودع أخيرا عربة للشحن السريع.
ظلت عربة الشحن السريع هذه يومين وليلتين تجر وراء قاطرات تصرخ؛ وظل باك يومين وليلتين لا يأكل ولا يشرب. وكان قد استقبل في غضبه أولى محاولات عمال الشحن السريع للتقرب منه بالزمجرة، فردوا عليه بمضايقته. وحين كان يلقي بنفسه على القضبان مرتجفا مزبدا، كانوا يضحكون منه ويسخرون منه. كانوا يزمجرون وينبحون كالكلاب البغيضة، ويموءون، ويخفقون بأذرعهم ويصيحون صياح الديكة. كان يعرف أن هذا كله سخيف جدا، لكنه لذلك كان أشد إهانة لكرامته، فظل غضبه يتصاعد ويتصاعد. لم يكن الجوع يضايقه كثيرا، لكن انعدام الماء عذبه عذابا شديدا وأجج غضبه إلى حد الحمى. بل إن سوء المعاملة كان قد أصابه بالحمى فعلا، لشدة توتر أعصابه ورهافة حسه، وزادها التهاب حلقه ولسانه الجافين المتورمين.
وكان ثمة أمر واحد يسعده: أن الحبل قد زال عن عنقه. كان الحبل يتيح لهم الغلبة عليه من غير تكافؤ؛ أما الآن، وقد زال، فسيريهم. لن يتمكنوا أبدا من تطويق عنقه بحبل آخر. على هذا عزم. لم يأكل ولم يشرب يومين وليلتين، وفي يومي العذاب وليلتيه هذين اختزن من الغضب ما ينذر بالشر لأول من يتعرض له. احتقنت عيناه بالدم، وتحول إلى عفريت هائج. لقد تبدل حتى إن القاضي نفسه ما كان ليتعرف إليه؛ وتنفس عمال الشحن السريع الصعداء حين أنزلوه من القطار في سياتل.
حمل أربعة رجال الصندوق بحذر من العربة إلى فناء خلفي صغير تحيط به جدران عالية. وخرج رجل ممتلئ الجسم يرتدي كنزة حمراء تهدلت فتحتها الواسعة عند عنقه، فوقع للسائق في الدفتر. هذا هو الرجل، أدرك باك بحدسه، هذا هو معذبه التالي، فارتمى على القضبان في شراسة. ابتسم الرجل ابتسامة قاسية، وأحضر فأسا صغيرة وهراوة.
«لن تخرجه الآن، أليس كذلك؟» سأل السائق.
«بلى»، أجاب الرجل، وهو يغرز الفأس في الصندوق ليخلع ألواحه بها.
وفي الحال تفرق الرجال الأربعة الذين حملوه إلى الداخل، واتخذوا لهم مواضع آمنة فوق الجدار، يستعدون منها لمشاهدة العرض.
اندفع باك نحو الخشب المتشظي، يغرس فيه أسنانه ويجاذبه ويصارعه. وأينما هوت الفأس من الخارج، كان هناك من الداخل، يكشر ويزمجر، شديد التلهف إلى الخروج في هياجه، مثلما كان الرجل ذو الكنزة الحمراء هادئا في عزمه على إخراجه.
«والآن، أيها الشيطان الأحمر العينين»، قال حين شق فتحة تكفي لمرور جسم باك. وفي اللحظة نفسها ألقى الفأس ونقل الهراوة إلى يده اليمنى.
وكان باك حقا شيطانا أحمر العينين، إذ جمع جسمه استعدادا للوثبة، وشعره منتصب، وفمه مزبد، وفي عينيه المحتقنتين بالدم بريق جنون. قذف بمئة وأربعين رطلا من الغضب نحو الرجل مباشرة، مشحونة بكل ما احتبس فيه من سخط يومين وليلتين. وفي الهواء، في اللحظة التي أوشك فيها فكاه على الإطباق على الرجل، تلقى صدمة أوقفت اندفاعه، فاصطكت أسنانه اصطكاكا موجعا. انقلب وارتطم بالأرض على ظهره وجانبه. لم يكن قد ضرب بهراوة قط في حياته، فلم يفهم. وبزمجرة فيها شيء من النباح وكثير من الصراخ، كان واقفا من جديد، منطلقا في الهواء. وعادت الصدمة، وارتطم بالأرض بعنف. هذه المرة أدرك أنها الهراوة، لكن جنونه لم يعرف الحذر. هجم اثنتي عشرة مرة، وفي كل مرة صدت الهراوة هجومه وسحقته أرضا.
وبعد ضربة فاقت غيرها عنفا، تحامل على قوائمه حتى وقف، وقد أذهلته الصدمة فلم يقدر على الهجوم. أخذ يترنح واهنا، والدم يسيل من أنفه وفمه وأذنيه، واللعاب المدمى متناثر بقعا ورذاذا على فرائه الجميل. ثم تقدم الرجل وتعمد أن يوجه إليه ضربة مروعة على أنفه. لم تكن الآلام كلها التي قاساها شيئا بالقياس إلى الألم المبرح لهذه الضربة. وبزئير تكاد ضراوته تضاهي زئير الأسد، ألقى نفسه على الرجل مرة أخرى. لكن الرجل نقل الهراوة من اليمنى إلى اليسرى، وقبض بهدوء على فكه السفلي، وجذبه في الوقت نفسه جذبة عنيفة إلى أسفل وإلى الوراء. دار باك في الهواء دورة كاملة ونصف دورة أخرى، ثم هوى على الأرض برأسه وصدره.
هجم للمرة الأخيرة. فسدد إليه الرجل الضربة المحكمة التي تعمد إرجاءها طوال ذلك الوقت، فتداعى باك وسقط، فاقد الوعي تماما.
«لا يستهان به في ترويض الكلاب، هذا ما أقوله»، صاح أحد الرجال من فوق الجدار بحماسة.
«أفضل ترويض مهور الهنود في أي يوم، ومرتين يوم الأحد»، أجاب السائق وهو يصعد إلى العربة ويسوق الخيل.
استعاد باك وعيه، لكنه لم يستعد قوته. ظل راقدا حيث سقط، ومن هناك راح يراقب الرجل ذا الكنزة الحمراء.
«يستجيب لاسم باك»، تمتم الرجل لنفسه، مقتبسا من رسالة صاحب الحانة التي أعلن فيها إرسال الصندوق وما فيه. ثم تابع بصوت ودي: «حسنا يا باك، يا ولدي، لقد وقع بيننا شجار صغير، وخير ما نفعله أن نكتفي بهذا. لقد عرفت مكانك، وأنا أعرف مكاني. كن كلبا مطيعا، وسيسير كل شيء على ما يرام ويصفو لنا العيش. أما إن أسأت التصرف، فسأوسعك ضربا. أفهمت؟»
وكان وهو يتكلم يربت بلا خوف على الرأس الذي انهال عليه بالضرب بكل تلك القسوة؛ ومع أن شعر باك انتصب رغما عنه عند مس اليد، فإنه احتمل ذلك دون اعتراض. ولما أتاه الرجل بالماء شرب بلهفة، ثم التهم بعد ذلك وجبة وفيرة من اللحم النيئ، قطعة بعد قطعة، من يد الرجل.
كان مهزوما (وهو يعرف ذلك)؛ لكنه لم ينكسر. واستقر عنده، مرة وإلى الأبد، أنه لا قبل له برجل يحمل هراوة. تعلم الدرس، ولم ينسه فيما بقي من حياته أبدا. لقد كشفت له تلك الهراوة ما كان يجهله. كانت أول عهده بسلطان القانون البدائي، واستجاب له من جانبه. اكتست حقائق الحياة وجها أشد ضراوة؛ وواجه ذلك الوجه غير هياب، لكن كل ما كمن في طبعه من مكر كان قد استيقظ. ومع الأيام جاءت كلاب أخرى، في الصناديق ومقودة بالحبال، بعضها طائع وديع، وبعضها يثور ويزأر مثلما جاء هو؛ وراقبها كلها، بلا استثناء، تدخل في سلطان الرجل ذي الكنزة الحمراء. ومرة بعد مرة، وهو يشاهد كل عرض من عروض القسوة تلك، كان الدرس يرسخ في باك: رجل يحمل هراوة هو من يسن القانون، سيد تجب طاعته، وإن لم يلزم استرضاؤه. أما الاسترضاء فلم يقترفه باك قط، مع أنه رأى كلابا مهزومة تتملق الرجل، وتهز ذيولها، وتلعق يده. ورأى أيضا كلبا أبى أن يسترضي الرجل أو يطيعه، وانتهى به الأمر قتيلا في الصراع على السيادة.
وكان رجال غرباء يأتون بين حين وآخر، فيكلمون الرجل ذا الكنزة الحمراء بحماسة، وبتودد ملح، وبشتى الأساليب. وكلما انتقلت نقود بينهم، أخذ الغرباء معهم كلبا أو أكثر. وكان باك يتساءل إلى أين تذهب تلك الكلاب، فهي لا تعود أبدا؛ لكن الخوف من المستقبل كان مستحكما فيه، وكان يفرح في كل مرة لا يقع عليه الاختيار.
ومع ذلك حل دوره آخر الأمر على يد رجل صغير ذاو، ينفث إنجليزية مكسرة وصيحات تعجب كثيرة غريبة فظة لا يفهمها باك.
«اللعنة!» صاح حين وقعت عيناه على باك. «هذا كلب رائع، اللعنة! ها؟ بكم؟»
«ثلاثمئة، وهو هدية بهذا الثمن»، جاء جواب الرجل ذي الكنزة الحمراء على الفور. «وما دام هذا مال الحكومة، فلا حق لك في الاعتراض، أليس كذلك يا بيرو؟»
ابتسم بيرو ابتسامة عريضة. لم يكن هذا المبلغ مجحفا لقاء حيوان رائع كهذا، وقد دفع الطلب غير المعهود أسعار الكلاب إلى عنان السماء. فلن تخسر الحكومة الكندية، ولن تتباطأ مراسلاتها في الطريق. وكان بيرو خبيرا بالكلاب، وحين نظر إلى باك عرف أنه واحد في الألف — «واحد في عشرة آلاف»، علق في سره.
رأى باك النقود تنتقل بينهما، فلم يندهش حين اقتاده الرجل الصغير الذاوي هو وكيرلي، وهي كلبة طيبة الطباع من كلاب نيوفاوندلاند. وكانت تلك آخر مرة رأى فيها الرجل ذا الكنزة الحمراء، وبينما كان هو وكيرلي ينظران من سطح ناروال إلى سياتل الآخذة في الابتعاد، كانت تلك آخر مرة رأى فيها بلاد الجنوب الدافئة. أنزلهما بيرو إلى ما تحت السطح، وسلمهما إلى عملاق أسود الوجه اسمه فرانسوا. كان بيرو كنديا فرنسيا، داكن البشرة؛ أما فرانسوا فكان هجينا كنديا فرنسيا، وأشد منه سمرة بمرتين. كانا لباك صنفا جديدا من الرجال (وقد قدر له أن يرى منهم كثيرين فيما بعد)، ومع أنه لم يشعر نحوهما بمودة، أخذ مع ذلك يكن لهما احتراما صادقا. وسرعان ما تعلم أن بيرو وفرانسوا رجلان منصفان، هادئان محايدان في إقامة العدل، وأنهما أخبر بطباع الكلاب من أن تخدعهما الكلاب.
وفي الحيز بين سطحي ناروال، انضم باك وكيرلي إلى كلبين آخرين. كان أحدهما كلبا ضخما أبيض كالثلج، من سبيتسبرغن، جاء به قبطان سفينة لصيد الحيتان، ثم رافق لاحقا بعثة للمسح الجيولوجي إلى البراري الجرداء. كان ودودا على نحو يخفي غدرا، يبتسم في وجه المرء وهو يدبر حيلة دنيئة، كما فعل، مثلا، حين سرق من طعام باك في الوجبة الأولى. ولما وثب باك ليعاقبه، صفر سوط فرانسوا في الهواء فبلغ المذنب قبله، ولم يبق لباك إلا أن يستعيد العظمة. رأى باك أن فرانسوا كان منصفا، وبدأ الهجين يعلو في نظره.
أما الكلب الآخر فلم يتودد إلى أحد، ولم يتودد إليه أحد؛ ولم يحاول أيضا أن يسرق من الوافدين الجديدين. كان كلبا كئيبا عابس المزاج، وأفهم كيرلي بوضوح أن كل ما يريده هو أن يترك وشأنه، وفوق ذلك أن المتاعب ستقع إن لم يترك وشأنه. كان اسمه «ديف»، وكان يأكل وينام، أو يتثاءب في الفترات بين هذا وذاك، ولا يهتم بشيء، حتى حين عبرت ناروال مضيق الملكة شارلوت وأخذت تتمايل وتتأرجح وتجمح كأنها ممسوسة. وحين هاج باك وكيرلي، وقد أوشك الخوف أن يذهب بعقليهما، رفع رأسه كأنه متضايق، وتفضل عليهما بنظرة لا فضول فيها، وتثاءب، ثم عاد إلى النوم.
كانت السفينة تنبض ليل نهار على إيقاع المروحة التي لا تكل، ومع أن الأيام يكاد يشبه بعضها بعضا، كان واضحا لباك أن البرد يشتد باطراد. وأخيرا، ذات صباح، سكنت المروحة، وشاع في ناروال جو من الحماسة. شعر بذلك مثل سائر الكلاب، وعرف أن تغييرا بات وشيكا. ربط فرانسوا الكلاب بمقاودها وصعد بها إلى السطح. ومع أول خطوة على السطح البارد، غاصت أقدام باك في شيء أبيض رخو شديد الشبه بالطين. وثب إلى الوراء نافخا من أنفه. وكان المزيد من ذلك الشيء الأبيض يتساقط في الهواء. نفض جسمه، لكن المزيد منه سقط عليه. شمه في فضول، ثم لعق بعضه بلسانه. لسعه كالنار، ثم اختفى في اللحظة التالية. حيره ذلك. جرب مرة أخرى، فكانت النتيجة نفسها. وانفجر المتفرجون بضحك صاخب، وشعر بالخجل ولم يدر لماذا، فهذا أول ثلج يراه.




