الفصل ١
كانت أمي تكتب على صناديقنا في تورونتو بقلم شاربِي أسود عريض. وبحلول أوستن، صارت الملصقات نكات. «منوعات المطبخ». «كتب، ثقيلة». وكان على أحدها مكتوب: «الشتاء». ظلّ في الغرفة الأمامية من منزل رايت المزدوج، لم يُفتح منذ رحيل الشاحنة؛ رسالة تعرف محتواها سلفا.
كانت الصناديق تضيق المكان كل يوم. تفريغ الصناديق ليس كالطقس؛ إما أن تفعله، وإما أن يلتهم الكرتون أرضيتك. كانت أمي تعمل حتى وقت متأخر لدى البلدية في تخطيط القدرة على الصمود أمام الحرّ: تحدد أي الأحياء يُشوى أولا، وما الذي تدين به المدينة لسكانه. وكانت تعود ورائحتها كرائحة داخل سيارة. نقلت صندوق «الشتاء» مرتين كي نتمكن من بلوغ الأريكة. كانت تلك مساهمتي بأكملها في حياتنا الجديدة.
في الليلة الأولى، وقفت أمي عند باب غرفة النوم الخلفية وقالت: «يمكن أن تكون هذه غرفتك». قبل أن أرى شيئا من المكان، كانت قد وقعت عقد الإيجار، وقدمت استمارات المدرسة، ورصت صناديقي بمحاذاة الجدار. تلك كانت طريقتها في التعبير عن اللطف. قلت لها إنني سأرتب الغرفة لاحقا. وصار «لاحقا» صفا من الصناديق التي لم تُفتح. إن لم يكن بوسعي اختيار أوستن أو المنزل المزدوج، ففي وسعي على الأقل أن أجعل الغرفة تنتظرني.
كان المنزل المزدوج يقع في الجهة الخطأ من كل شيء. يبعد موقف «صن لاين» ثلاث دقائق عن بابنا، ويمضي خطه تحديدا إلى حيث لا أحتاج إلى الذهاب أبدا. ولكي تعبر جدول دراي كريك، ثم تتجاوز المدرسة التي تحمل اسمه إلى الجزء من البلدة حيث يبدو أن الناس يفعلون أشياء، كنت تحتاج إلى تبديل الحافلة، أو أم أحدهم، أو ما يكفي من الجرأة للمشي في أغسطس لم يوافق بعد على الانتهاء.
كنت في السادسة عشرة، وقد مضى أسبوع على التحاقي بثانوية «دراي كريك»؛ مدة كافية لأتعلم أنك إن اعتذرت حين يصطدم بك أحد، نظر إليك كأنك اعترفت بجريمة.
وهكذا انتهى بي الأمر عند حلقة حافلات «كالدر» بعد الجرس الأخير، أنتظر حافلة تحويل متأخرة، وأقرأ منشورا مثبتا إلى العمود بالدبابيس، إذ لم يكن ثمة شيء آخر أقرؤه.
«إعادة استخدام أوستن»، هكذا كُتب عليه. «فريق الشباب للتفكيك الانتقائي. الجلسة الافتتاحية اليوم».
وتحت ذلك خريطة رسمها أحدهم باليد وصورها مائلة: حلقة الحافلات، وارتفاق التصريف خلفها، وخط متقطع يتجه شمالا إلى مستطيل كتب عليه «مِسكيت تريس»، وبجوار المستطيل، بالخط نفسه: «اذهب ماشيا. انتعل حذاء حقيقيا».
كان لدي حذاء حقيقي، ولا وسيلة تقلني، ولن تعود أمي قبل ساعات.
لذلك ذهبت ماشيا.
كان قاع ممر التصريف من الخرسانة، وجافا كالصحن، وفي وسطه شريط أخضر من الطحالب حيث جرى الماء آخر مرة، فيما مالت أشجار المسكيت نحوه من الضفتين. ظلت طيور الغرّاق تصرخ في وجهي طوال الطريق. وبحلول منتصفه، كان قميصي قد ابتل حتى آخره. في تورونتو كنت أركض على امتداد دانفورث في فبراير ومعطفي مفتوح؛ أما هنا فكنت كيسا ورقيا مبتلا له ساقان.
صعد الارتفاق من مجراه إلى مشروع سكني تُرك مهجورا في منتصف الفكرة. أرصفة بلا بيوت خلفها. صنابير إطفاء وسط الأعشاب. أعمدة إنارة لم تشتعل مرة واحدة قط. وفي نهاية الشارع الوحيد المكتمل، وقف بيت من طابقين بكسوة بلون القشدة، وتنورة من قشرة حجرية، ورقعة بنية من العشب الجاهز حيث فرش أحدهم حديقة ثم توقف عن دفع ثمن الماء.
انتصبت في تلك الحديقة الميتة لافتة على ساقين معدنيتين، ولم يكن لها أي شأن ببيع بيت لأي شخص.
«بيلويذر للتطوير» — قطعة الأرض محكوم بإزالتها المأذونية بإعادة الاستخدام: مدة التفكيك الانتقائي ٤٢ يوما اليوم ١ من ٤٢ الهدم: اليوم ٤٢
وتحتها عُلّق جدول عمل مغلف بالبلاستيك برباط كابلي، وطُبعت عليه بالأحمر عبارة «ساعات النهار فقط». كان الضوء الأصفر قد امتد بالفعل فوق الحجر الزائف. أيا يكن هذا، فلدي فرصة واحدة معه، وسينتهي حين تنتهي الشمس.
قرأت العد التنازلي كما تقرأ لافتة مواقف. مجرد رقم معلّق ببيت.
***
وقف نحو اثني عشر فتى وفتاة على العشب الميت. وكانت امرأة تحمل لوحا مشبكيا تسد المدخل. وعبر عتبته الخرسانية امتد شريط حديث من الطلاء الأبيض، من حافة إلى حافة: خط انطلاق وُضع في المكان الخطأ.
خطوت فوقه.
قالت المرأة، بالنبرة نفسها التي تقول بها «انتبه إلى الدرجة»: «ارجع».
أعدت قدمي إلى خلف الطلاء.
«الاسم».
«جون رايت».
«مسجل؟»
«رأيت المنشور عند حلقة الحافلات».
كتبت شيئا. كانت في نحو الأربعين، محروقة الشمس على أنفها كأن الحرق استمر هناك عشرين عاما، وعلى حزامها لفة من الشريط الأحمر كأنها سلاح جانبي. كُتب على البطاقة المعلقة في عنقها «السيدة أغيلار». وكُتب أيضا «إعادة استخدام أوستن»، و«مشرفة موقع مسجلة».
قالت: «وصول جون رايت»، ودوّنت الوقت، ثم أدارت اللوح نحوي لأراه. «سجل الموقع. يدخل اسمك قبل أن يدخل جسدك. لا اسم يعني أنك لم تكن هنا قط. وشركة التأمين تقول إن من لم يكن هنا لا يمكن أن يتأذى».
وقعت. خرج خطي أسوأ من المعتاد.
قالت: «لا أحد في الداخل ما لم أكن في الداخل، ولا أحد فيه بعد ساعات النهار المعلنة. لا كهرباء، ولا ماء، ولا غاز — كلها مقطوعة من الشارع، وستظل مقطوعة إلى أن يهدموه، فلا تذهبوا تبحثون عن مفتاح أو صنبور. هذا منزل نموذجي للعرض. مفروش، ولم يسكنه أحد قط، ولن يتحول إلى مكان تتسكعون فيه. لا أحد ينام هنا. لا أحد يأكل كعكة عيد ميلاد هنا. ليس ناديكم».
بدأت ضحكة خلفي. نظرت أغيلار إلى ما ورائي، فتوقفت.
«عمر سمع هذا من قبل».
قال عمر، أطول من على العشب بفارق مريح، وكان في السابعة عشرة تقريبا، وقد حشر عصا طبل في جيبه الخلفي كأنها قلم نسيه: «ست مرات. ويزداد طرافة كل عام».
ناولتني السيدة أغيلار لفافة قماشية. في داخلها: مفك، ورأسان، ومفتاح صندوق قصير برأس واحد. ودوّنت الرأس.
«هذه بعهدتك. تعيدها إلي قبل أن تغادر، وإلا فلن تعود إطلاقا. وآخر شيء». وضعت يدها على اللفة الحمراء عند حزامها. «هذه لي، ولا يلمسها أحد غيري. إذا وُضع الأحمر على شيء، يتوقف عن كونه شيئا. إما أنه جزء إنشائي، أو متصل بأحد المرافق، أو بدأ يتداعى وينتظر سببا. لا تقطعه، ولا تجذبه، ولا تختبره لترى. كل ما يسند شيئا آخر يبقى. وكل ما تريدونه تعرضونه علي أولا، وأنا أقول نعم أو لا؛ وإذا قلت لا، فلن نناقش الأمر، لأن الجو هنا أشد حرا من اللازم، وصبري يتبخر أسرع من مائي».
«ماذا يحدث إن أخذ أحدهم شيئا وحسب؟» كان ذلك أطول كلام قلته منذ وصولنا إلى تكساس.
قالت: «عندها تسحب بيلويذر قطعة الأرض من البرنامج، ويخسر كل من يقف على هذا العشب واحدا وأربعين يوما. ويشمل ذلك الفتى الموجود هنا منذ يونيو. فإذا خطرت لك فكرة تخص حقيبة ظهرك، فافهم ممن ستسرق».
لم يضحك أحد. كانت فتاة قرب الباب تحمل دفترا حلزونيا وتعمل بقلم رصاص ميكانيكي، ولم تكن تكتب كلمات. كانت ترسم البيت وقد أزيل جداره الأمامي، فتظهر كل الغرف دفعة واحدة، وكل شيء مشقوقا.
قالت السيدة أغيلار: «هذه هي الحسبة. في اليوم ٤٢ ستكون هناك آلة في هذه الساحة، وبعد ذلك سيصير هذا العنوان ترابا. ما يُجاز إخراجه بحلول ذلك الوقت يبقى موجودا. وما لا يُجز، لا يبقى. هذا كلام التصريح، والتصريح لم ينجح أحد قط في ثنيه عن شيء».
***
في الداخل كانت رائحة غراء السجاد والبلاستيك الساخن، ورائحة فأر خافتة. وكان الحر أسوأ من الخارج: هواء راكدا، وكل نافذة مغلقة وستظل مغلقة.
كانوا قد فرشوه كأن أناسا قادمون. تفاحات خشبية في وعاء على طاولة الطعام. كتب على الرفوف وقد أُديرت عناوينها إلى الداخل. مناشف مطوية في هيئة لا تتخذها أي منشفة من تلقاء نفسها. أعدّ أحدهم هنا مشهد أسرة، ثم لم يأت بالأسرة قط، وظل المكان ينتظر والكهرباء مقطوعة.
انتهى بي الأمر في المطبخ لأن المطبخ هو المكان الذي لم يكن فيه الحشد.
امتدت الخزائن بمحاذاة الجدار الخلفي حتى القوائم الخشبية، مثبّتة إليها بالبراغي عبر الإطار، وانتهى الأمر عند ذلك. وفي وسط الأرضية، بعد الجزيرة، وقف هيكل عرض مستقل — صف خزائن وهمي لاستعراض أنماط الأبواب، قائم على أرجله، لا يلامس جدارا، ولا يحمل سطح عمل، ولا يحمل شيئا. قطعة أثاث مسدودة النهاية تتظاهر بأنها جزء من بيت.
كانت لوحة الطرف الخارجي لوحا واحدا مسطحا، مصقول الوجه، جميل العروق، يشكل الجانب كله. ولم يكن عليه شيء بالأحمر.
انحنيت ونظرت إلى أسفله.
هذا هو الشيء الوحيد الذي أجيده، وسأختصر لأنني لا أستمتع بقوله. لا أستطيع ابتكار نكتة عند الطلب، ولا الجملة المناسبة في رواق. لكنني أستطيع النظر إلى غرفة ورؤية الغرفة الأخرى الكامنة فيها. كانت أمي تعود إلى البيت فتجدني في الثامنة وقد دفعت الأثاث إلى وسط الأرضية، فأقول لها إن الأريكة كانت تتشاجر مع الباب وإنني أوقفت الشجار.
كانت مثبتات تلك اللوحة داخلة من جهة الداخل، وتنتهي في إطار الخزانة. لم تصل إلى قائم خشبي. ولم تصل إلى أي شيء سوى الصندوق الذي كانت جزءا منه.
ذهبت ووجدت السيدة أغيلار.
قلت: «صف العرض في المطبخ. جانبه».
تبعتني عائدة في صمت. ومع أغيلار، يعني ذلك أن من الأفضل أن يستحق الأمر.
وضعت إصبعي على الوصلة بين اللوحة وإطار الواجهة، ومررته إلى أسفلها تماما. «إنها قشرة. تنتهي البراغي في الهيكل. والهيكل لا يحمل سطح عمل، وليس مثبتا إلى الجدار، وللصندوق ظهره الخاص، فالجانب لا يمسكه بعضه ببعض. انزعي الجانب، ويظل العرض واقفا».
«وتريده لأن…»
«إنه لوح واحد، ومسطح، وطويل بما يكفي لجلوس شخصين».
نظرت إلي لحظة أطول مما يبعث على الارتياح، ثم نزعت مصباحا يدويا من حزامها وأدخلت رأسها في الفجوة التي يصعد فيها مجرى السباكة من البلاطة، وظلت هناك برهة.
قالت وهي تخرج: «المجرى معطل. لا شيء موصول في الجدار، ولا شيء موصول في الصندوق. غير إنشائي. موافَق عليه».
فضحتني ابتسامتي.
«مرحبا». كانت الفتاة صاحبة الرسوم المقطعية قد دخلت خلفنا: جازمين، وقلمها الآن خلف أذنها، تتفحص اللوحة كميكانيكية أمام محرك لا تعرفه. «كم منها قشرة؟»
«الوجه مصقول. والظهر خام».
«إذن فهو لوح حقيقي يرتدي زيا تنكريا».
«تقريبا».
«إذن له قيمة». قالتها كأنها حسمت جدالا خاصا. «نصف الأشياء هنا رغوة. سئمت جر الرغوة».
دخل عمر يحمل أحد طرفي منصة فولاذية مسطحة على عجلات مطاطية، وسطحها مخدوش في كل موضع، وقد طُبع عليها «إعادة استخدام أوستن» مرتين لأن الطباعة الأولى بليت. زلّاجة الشحن. أنزلها بعناية شخص أمضى حياته كلها يحمّل شاحنة أسرته المسطحة.
قال: «تعود الزلّاجة في نهاية المدة وبالعدد نفسه من العجلات. هذا ليس اقتراحا. أمسك تلك الزاوية».
أدخلناها نحن الثلاثة تحت اللوحة.
***
قالت السيدة أغيلار من عند الباب، رافعة هاتفها: «قبل أن يحمل أحد أي شيء إلى الخارج، سأراجع مكتب الحرّ».
انتظرنا بينما كانت تمرر الشاشة.
«لا تحذير ساريا. أتعرف ماذا يعني ذلك أيها الجديد؟ إذا نشرت المدينة تحذيرا، يتوقف حمل الأشياء في الخارج حيث هو. يمكنك أن تفرز في داخل روكري طوال اليوم، فذلك المكان يتنفس. أما هنا، فلا تخطو خطوة أخرى وأنت تحمل حمولة».
قلت قبل أن أقرر القول: «أمي تكتب تلك التحذيرات».
رفع عمر نظره. «تكتب ماذا؟»
«تحذيرات الحرّ. للمدينة».
قال: «همم». ولم يقل غير ذلك، لكنه قالها بطريقة أدخلتني بوصة أخرى إلى الغرفة عما كنت.
فككنا البراغي. تولت جازمين الصف العلوي، وتوليت السفلي، وأبقى عمر كفيه مبسوطتين على الوجه كي لا تنفصل اللوحة مائلة عند البرغي الأخير. تحرر البرغي الأخير. انزلقت اللوحة عن الإطار إلى أذرعنا، وصارعناها حتى أنزلناها على سطح الزلّاجة.
ظل الهيكل خلفنا واقفا وقد انكشفت أحشاؤه، ما زال منتصبا ومستقيما، إلا أنه فقد جانبا.
دفعناه عبر الصالة الكبرى، وعجلاته تصخب فوق الخشب الزائف، وتجاوزنا وعاء التفاحات الخشبية، ثم توقفنا قبل الباب لأن السيدة أغيلار رفعت يدها.
إجراءات الإقفال. صورت الإطار الفارغ في المطبخ، مرتين، ثم عادت ويدها ممدودة.
«رأس المفتاح».
طابقته مع سطر السجل الذي يحمل اسمي، ووضعت علامة، وأسقطت اللفافة في الصندوق، ثم أشارت إلى الأرض.
كانت اللوحة فوق الزلّاجة، وحافتها الأمامية تبعد بوصتين تقريبا عن الطلاء الأبيض، ولم تكن أغيلار تتحرك.
***
قالت: «ليست لك».
«أعرف».
«لا تعرف، فاسمع. ذلك اللوح ملك «بيلويذر للتطوير» ما دام على أرض بيلويذر. إن حملته عبر ذلك الباب بلا بطاقة، فأنت تغادر قطعة الأرض هذه بممتلكات مسروقة، ويحدث كل ما قلته عن سحب المدة، ويحدث لجازمين وعمر أيضا».
كانت جازمين قد فتحت دفترها من جديد. وكانت ترسم الزلّاجة.
قالت السيدة أغيلار: «ذلك الطلاء هو العمل كله».
انتظرت حتى لامست الحافة المتقدمة للوحة الجهة الداخلية من الطلاء فعلا. ثم أخرجت من سترتها بطاقة مرقمة، وكتبت عليها، ومررتها عبر مربط الزلّاجة وحول اللوح.
«بطاقة إخراج ٠٠١».
قالت: «الآن»، وتنحت عن الباب.
سحبنا. خبطت العجلات فوق العتبة، الاثنتان معا، بتلك الصدمة التي تصعد عبر معصميك، وخرجت الزلّاجة إلى المساحة الحصوية حيث كان سيقام ممر السيارات، إلى الطرف البرتقالي المنبسط من الضوء، فيما طيور الغرّاق لا تزال تصرخ.
صفق ستة أو سبعة ممن على العشب الميت. صفقوا فعلا، من أجل قطعة من خزانة.
وضعت يدي عليها. كانت دافئة من البيت.
قلت: «إذن صارت لي».
قالت السيدة أغيلار، وقد عادت إلى الكتابة: «لا. صارت للفريق. عبرت البطاقة الخطّ، فانتقلت الحيازة، وانتقلت إليكم جميعا في اللحظة نفسها، لا إلى الفتى الذي وجدها. وتبقى ملكا للجميع إلى أن يُسند لها استعمال بإجماع مسجل في جلسة مُعلنة».
«والإجماع يعني…»
«يعني كل عضو مؤهل سجل دخوله قبل أن نبدأ، وبقي طوال المراجعة، وقال نعم. رفض واحد، أو امتناع واحد، أو فتى واحد يخرج ليرد على مكالمة — لا إجماع ولا تخصيص». أغلقت القلم بغطائه. «وأنا لا أصوت. أنا أشهد وأدوّن ما تقررونه، وللتسجيل أقول إن ذلك أصعب جزء في هذه الوظيفة».
وهكذا كنت قد وجدته، وحررته، وجررته، وصرت أملك منه القدر نفسه تماما الذي يملكه فتى لم ألتقه، يشرب غاتوريد على الرصيف.
كان «الإنصاف» هو الكلمة الناضجة. لكنني، بدلا من ذلك، كنت الجديد من جديد؛ وهو أمر كنت أحظى بكثير من التدريب عليه.
***
بدأ الجدال قبل أن تتوقف الزلّاجة عن التدحرج.
قالت سامانثا واغنر، وقد وصلت مسرعة بطاقة لوح مشبكي لشخص يدير ستة أشياء وقد خصص لهذا النقاش ميزانيته سلفا: «احتفالات العودة المدرسية. اسمعوني. أول قطعة من المخزون المُجاز للإخراج. نضعها على جدار المساحة المشتركة في دراي كريك مع لوحة تعريف، فتمر بها المدرسة كلها كل يوم من الآن حتى المباراة. لا شيء آخر نخرجه في هذه المدة سيحصل على ذلك».
قال عمر: «ستُرى. لكن لن يُجلس عليها. ضعوها عند موقف حافلة. أتعرفون ماذا يوجد عند صن لاين؟ عمود. يقف الناس عند ذلك العمود في أغسطس وهم يحملون طفلا، ولا يوجد موضع يضعون الطفل عليه».
«مقعد عند موقف لا يصوره أحد».
«الناس عند ذلك الموقف ليسوا هناك كي يُصوَّروا يا سام».
قالت جازمين، من دون أن ترفع نظرها: «أينما وُضع، يجب أن تتمكن من رؤية كلفته. لا تصنفروا ثقوب البراغي. لا تطلوا الجانب الخام. بنى أحدهم مطبخا زائفا من شجرة حقيقية، وحكم عليه بالإزالة قبل أن يغلي فيه أحد الماء، وإذا جمّلناه فلن يتعلم أحد شيئا». أدارت دفترها نحونا. كانت قد رسمت اللوحة مفككة إلى أجزائها، الوجه واللب والبراغي الصغيرة المنتهية عائمة حيث كانت.
أن يُرى، أو يُستخدم، أو يكون صادقا. اختر اثنين، على ما يبدو.
قرفصت بجوار الزلّاجة، وبسطت يدي على اللوح، وفعلت الشيء الذي أفعله.
قلت: «اقطعوه إلى ثلاث قطع. القطعة الطويلة هي المقعد. والقصيرتان ساقان، تتعاشقان بوصلة نصفية، وثقوب البراغي إلى الخارج حيث يمكن عدّها. يسع شخصين، فيكون مقعدا لا نصبا، ويلائم جدارا في مدرسة أو المساحة تحت العمود عند صن لاين من دون أن يتحول إلى شيء آخر. اتركوا الجانب الخام إلى أعلى تحت المقعد. كل من يجلس عليه وينظر إلى أسفل يرى ممَّ صُنع».
لثانية واحدة، لم يُجب سوى طيور الغرّاق.
قالت جازمين: «ارسم ذلك»، وناولتني القلم.
رسمته رديئا على ظهر ورقة تسجيل دخول. وأعادت جازمين رسمه على نحو صحيح في نحو تسع ثوان. مدت القلم نحوي، لكنها احتفظت به حين مددت يدي.
«ستأتي الفترة القادمة؟»
«إذا وقعت أمي».
«احصل على التوقيع».
أفلتته. واحتفظت به بعد انتهاء الرسم.
قال عمر إن الساقين ستتمايلان ما لم ندعمهما بعارضة رابطة؛ وقالت سامانثا إن تخصيصه للمدرسة يعني تسليمه قبل أسبوع البناء. لم تدوّن السيدة أغيلار شيئا من ذلك. فلم يكن شيء منه محسوبا بعد.
ظلت بطاقة الإخراج ٠٠١ فوق زلّاجة الشحن، تحمل رقما ولا تحمل وجهة.
قالت السيدة أغيلار: «جلسة تخصيص مُعلنة. ليس اليوم. اليوم أخرجتم شيئا واحدا سيعمر بعد البيت. وهذا يوم أول».
بلغت الشمس خط السياج. انتهت فترة العمل دفعة واحدة، وفق ساعة لم يجادلها أحد.
عند الطاولة وضعت اسمي على قائمة الشباب، فدفعت نحوي ورقة بعدها.
«توقيع ولي الأمر. أعدها موقعة، وإلا فأنت زائر، والزوار يقفون على العشب».
مشيت في ممر التصريف إلى البيت في آخر الضوء، والاستمارة ملفوفة في قبضتي كي لا يبللها عرق يدي، ولحقت بحافلة التحويل، ودخلت بنفسي منزلا مزدوجا تفوح منه رائحة مكان لا يطبخ فيه أحد. لم تكن سيارة أمي في موقفها بعد. نقلت صندوق «الشتاء» عن الأريكة، ووضعت الاستمارة على سطح المطبخ حيث ستراها، محاذية للحافة، كما تضع شيئا قررت بالفعل أن تقاتل من أجله.
بقي واحد وأربعون يوما، ولوح واحد يخص الجميع.




